الطبراني
16
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وعن حفص بن أبي العاص قال : ( كنت أتغدّى مع عمر رضي اللّه عنه فيجيء بخبز متقطّع يابس غليظ ، فجعل يأكل منه ويقول لنا : كلوا ، فجعل يعتذر فقال : ما لكم لا تأكلون ؟ قلنا : لا نأكله واللّه يا أمير المؤمنين ، ما نستطيع لكنّا نرجع إلى طعام ألين من طعامكم هذا . فقال : يا ابن العاص أما ترى أنّي قادر أن آمر بدقيق أن ينخل بخرقة ، وأن يخبز في تنّور ، وآمر بعناق سمينة فليسمط عنها شعرها ثمّ تخرج مصليّة كأنّها كذا وكذا ، أما ترى أنّي أقدر أن أعمل إلى صاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثمّ أنشّ عليه من الماء فيصبح كأنّه دم غزال ؟ قال : قلت واللّه يا أمير المؤمنين لجادّ ما نعت العيش ؟ قال : أجل واللّه الّذي لا إله إلّا هو ، لولا أنّي أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في العيش ، ولكنّي سمعت اللّه تعالى يقول : ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها ) « 1 » . وكان يقول : ( لا تنخلوا الدّقيق فإنّه كلّه طعام ) ، وكان عمر رضي اللّه عنه يتغدّى اللّبن والقديد ، وعن الزهريّ رضي اللّه عنه قال : ( حدّثني عبد اللّه بن عبّاس عن عمر رضي اللّه عنه أنّه حدّثه : أنّه دخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوجده على حصير مرمولا « 2 » قد أثّر الشّريط في جنبه متوسّدا وسادة من أدم حشوها ليف ، قال عمر رضي اللّه عنه : فالتفتّ في البيت فو اللّه ما رأيت شيئا يردّ البصر إلّا إهابا جلودا معطوفة قد سطع ريحها ، فبكيت وقلت : يا رسول اللّه ، إنّك خيرة اللّه من خلقه ، وهذا كسرى وقيصر في الدّيباج والحرير ، فاستوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالسا وقال : [ أو في شكّ أنت يا ابن الخطّاب ؟ ! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدّنيا ] ) « 3 » . وروي : أنّ عمر رضي اللّه عنه قدم من الشّام ، فصنع له طعام طيّبا فقال : هذا لنا ! فما لنفوس المسلمين الّذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشّعير ؟ فقال خالد بن الوليد :
--> ( 1 ) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : ج 16 ص 201 . وفي الدر المنثور : ج 7 ص 447 ، ذكره السيوطي مختصرا وقال : ( أخرجه ابن سعد وعبد بن حميد عن حميد بن هلال ) . ( 2 ) الأرمل : الرجل الذي لا امرأة له . وفي المخطوط : ( سرير مرمولا ) . ( 3 ) أخرجه ابن حبان في الإحسان : الحديث ( 4188 ) .